لا تتناسب المساحة الضيقة لمضيق باب المندب مع اتساع تأثيره في الاقتصاد العالمي. فهذا الممر البحري الذي يفصل شبه الجزيرة العربية عن القرن الأفريقي يمثّل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وحلقة الوصل بين المحيط الهندي وقناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن أي اضطراب أمني فيه لا يبقى حدثاً محلياً، بل يتحول سريعاً إلى ارتفاع في تكاليف الشحن والتأمين، وتأخر في وصول السلع والطاقة، وضغوط على أسعار المستهلكين وإيرادات الدول.
تكمن أهمية المضيق في أنه لا ينقل البضائع فقط، بل ينقل أيضاً أثر الأزمات السياسية من الإقليم إلى الأسواق العالمية. وقد أظهرت اضطرابات البحر الأحمر منذ أواخر عام 2023 أن الاقتصاد الدولي، رغم تطوره التقني، ما زال يعتمد على عدد محدود من الممرات البحرية الحساسة.
يقع مضيق باب المندب بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويربط خليج عدن وبحر العرب بالبحر الأحمر. وتقسمه جزيرة ميون اليمنية إلى قناتين بحريتين، إحداهما أضيق شرقاً والأخرى أوسع غرباً.
اكتسب المضيق أهميته العالمية الحديثة بعد افتتاح قناة السويس سنة 1869؛ إذ أصبح جزءاً من أقصر طريق بحري منتظم بين آسيا وأوروبا. وقبل ذلك كان ممراً مهماً للتجارة بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا والهند، لكنه تحول بعد افتتاح القناة إلى عنصر مركزي في شبكات التجارة والطاقة الدولية.
وتاريخياً، ارتبطت السيطرة على هذا الطريق بالتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. أما في العصر الحديث، فقد ازدادت حساسيته بسبب الحرب في اليمن، والقرصنة في خليج عدن، وتصاعد الهجمات على السفن، والتنافس على الموانئ والقواعد العسكرية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
باب المندب بوصفه شرياناً للتجارة والطاقة
باب المندب هو المدخل الجنوبي للطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن نحو 15% من حجم التجارة البحرية العالمية يمر عادة عبر قناة السويس والطريق المتصل بالبحر الأحمر.
ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، شكّلت شحنات النفط المارة عبر قناة السويس وخط أنابيب سوميد وباب المندب نحو 12% من تجارة النفط المنقولة بحراً عالمياً خلال النصف الأول من عام 2023، فيما بلغت حصة الغاز الطبيعي المسال قرابة 8% من تجارته العالمية. كما تبلغ الطاقة الاستيعابية لخط سوميد المصري، الذي يوفّر مساراً مكملاً لقناة السويس، نحو 2.5 مليون برميل يومياً. إدارة معلومات الطاقة الأميركية
ولا تقتصر حركة المضيق على النفط والغاز؛ إذ تمر عبره سفن الحاويات المحملة بالإلكترونيات والآلات والسيارات والملابس والمواد الغذائية والمواد الخام المتبادلة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
تكشف هذه الأرقام أن أهمية باب المندب لا تُقاس فقط بكمية البضائع المارة، بل بقيمة الوقت في سلاسل الإمداد. فالصناعات الحديثة تعتمد على وصول المكونات في مواعيد دقيقة، وأي تأخير في قطعة واحدة قد يعطل خطوط إنتاج كاملة.
ومن الناحية السياسية، يمنح الموقع الأطراف القريبة منه قدرة غير مباشرة على التأثير في التجارة الدولية. غير أن القدرة على تهديد الملاحة لا تعني بالضرورة القدرة على إغلاق المضيق بصورة كاملة؛ فالإغلاق المستمر يحتاج إلى إمكانات عسكرية ولوجستية كبيرة، كما يستدعي ردوداً دولية واسعة. لذلك يتمثل الخطر الأكثر واقعية في رفع درجة المخاطرة وجعل المرور التجاري أقل جاذبية، لا في الإغلاق المادي الدائم وحده.
كلفة الاضطراب وإعادة توجيه السفن
عندما تزداد المخاطر في باب المندب والبحر الأحمر، تتجه شركات شحن عديدة إلى الدوران حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا. ووفق صندوق النقد الدولي، أدى اضطراب الملاحة في بداية عام 2024 إلى النتائج الآتية:- انخفاض حجم التجارة المارة عبر قناة السويس بنسبة 50% خلال يناير وفبراير 2024 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
- ارتفاع حجم التجارة المارة حول رأس الرجاء الصالح بنحو 74%.
- زيادة مدة الرحلة بين آسيا وأوروبا عشرة أيام أو أكثر في المتوسط.
- انخفاض زيارات السفن إلى الموانئ التي يتابعها الصندوق في الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط وآسيا الوسطى بنسبة تقارب 5.3% خلال الفترة نفسها.
صندوق النقد الدولي
إطالة الرحلة لا تعني زيادة استهلاك الوقود فقط، بل تؤدي إلى سلسلة من التكاليف المتراكمة: ارتفاع أجور السفن، وزيادة أقساط التأمين، وتأخر الحاويات، وتعطل جداول الموانئ، والحاجة إلى عدد أكبر من السفن لنقل الكمية نفسها من البضائع.
وتنتقل هذه التكاليف تدريجياً من شركات الملاحة إلى المستوردين، ثم إلى المنتجين وتجار التجزئة والمستهلكين. ويختلف مقدار انتقالها إلى الأسعار بحسب مدة الأزمة، والمنافسة بين الشركات، وحجم المخزون، وقدرة الدول على توفير طرق أو موردين بديلين.
سياسياً، يوضح ذلك أن مجرد وجود تهديد أمني متكرر قادر على تحقيق أثر اقتصادي واسع من دون إيقاف الملاحة كلياً. فشركات الشحن تتخذ قراراتها وفق احتمالات الخطر، وليس وفق وقوع الخسارة فعلاً. وعندما يصبح التأمين مرتفعاً أو سلامة الطواقم غير مضمونة، قد يكون الطريق الأطول أكثر قبولاً من الطريق الأقصر.
التداعيات على الاقتصادات العربية والإقليمية- تتضرر مصر مباشرة من انخفاض عبور السفن في قناة السويس، وهي مصدر رئيس للعملة الأجنبية والإيرادات العامة.
- تواجه دول الخليج والبحر الأحمر ارتفاعاً في تكاليف بعض الصادرات والواردات، ولا سيما الشحنات المتجهة إلى أوروبا.
- تتأثر موانئ اليمن وجيبوتي والسودان والصومال وإريتريا بالمخاطر الأمنية وتراجع انتظام خطوط الملاحة.
- تواجه الدول العربية المستوردة للغذاء والدواء والمواد الصناعية احتمال ارتفاع أسعار النقل والتأمين وتأخر الإمدادات.
- قد تستفيد بعض موانئ جنوب وشرق أفريقيا مؤقتاً من إعادة توجيه السفن حول القارة، لكن ذلك يضع ضغطاً إضافياً على بنيتها التحتية.
ومن الأمثلة الواضحة أن تراجع حركة قناة السويس خلال عام 2024 تسبب في انخفاض حاد في إيراداتها مقارنة بالمستوى القياسي المسجل في 2023، ما أبرز العلاقة المباشرة بين أمن باب المندب وتدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد المصري.
وفي المقابل، يمكن تحويل الموقع الاستراتيجي للبحر الأحمر إلى فرصة تنموية إذا استثمرت الدول العربية في تكامل الموانئ، والمناطق اللوجستية، والسكك الحديدية، والمستودعات الاستراتيجية، وخدمات إصلاح وتموين السفن. لكن هذا يتطلب تعاوناً إقليمياً طويل الأجل؛ فالموانئ الحديثة وحدها لا تكفي في بيئة بحرية مضطربة.
أما سياسياً، فإن عسكرة البحر الأحمر قد توفر حماية مؤقتة لبعض السفن، لكنها لا تعالج جذور المخاطر المرتبطة بصراعات اليمن والتوترات الإقليمية. ومن ثم، فإن أمن باب المندب لا يمكن فصله عن التسويات السياسية على ضفتي البحر الأحمر، ولا عن قواعد واضحة تمنع استهداف الملاحة المدنية.
أمثلة واقعية مدعومة بالبيانات
يقدم اضطراب 2023–2024 نموذجاً واضحاً لطريقة انتقال الأزمة:- تصاعدت المخاطر الأمنية على السفن في جنوب البحر الأحمر.
- أعادت شركات ملاحة توجيه سفنها حول رأس الرجاء الصالح.
- انخفضت التجارة عبر قناة السويس 50% على أساس سنوي في أول شهرين من 2024.
- ارتفعت حركة التجارة حول رأس الرجاء الصالح 74%.
- زادت مدة الرحلات عشرة أيام أو أكثر، وارتفعت تكاليف الوقود والتأمين والتشغيل.
- ظهرت الآثار في مواعيد التسليم، ومخزون المصانع والمتاجر، وإيرادات قناة السويس.
كما يوضح مثال الطاقة حجم الترابط الدولي: فشحنات النفط والغاز القادمة من الخليج والمتجهة إلى أوروبا قد تمر عبر أكثر من نقطة حساسة، تشمل مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس. وعليه، فإن حدوث اضطرابين متزامنين في أكثر من ممر قد يسبب أثراً أكبر بكثير من اضطراب منفرد.
الخلاصة العملية والتوصيات
باب المندب ليس قضية جغرافية تخص الدول المطلة عليه وحدها، بل هو مرفق اقتصادي دولي تتأثر به أسعار الطاقة والغذاء والنقل والصناعة. وتثبت التجربة أن أخطر نتائج الاضطراب ليست دائماً توقف التجارة، بل ارتفاع تكلفتها وتراجع القدرة على توقع مواعيدها.
ولتعزيز القدرة العربية على مواجهة هذه المخاطر، يمكن العمل على خمسة مسارات:- إنشاء آلية إقليمية دائمة لتبادل معلومات الملاحة والإنذار المبكر.
- دعم الحل السياسي في اليمن بوصفه جزءاً أساسياً من أمن التجارة البحرية.
- تنويع طرق النقل عبر خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والموانئ المترابطة.
- زيادة المخزون الاستراتيجي من الغذاء والدواء والوقود والمدخلات الصناعية.
- تطوير قطاع عربي للتأمين البحري والخدمات اللوجستية لتقليل الاعتماد الخارجي.
الخلاصة
أن حماية باب المندب لا تتحقق بالإجراءات العسكرية وحدها، بل من خلال مزيج من الأمن البحري، والتسويات السياسية، والاستثمار اللوجستي، والتنسيق الاقتصادي. وكلما نجحت الدول العربية في الانتقال من رد الفعل إلى التخطيط المشترك، تحوّل المضيق من نقطة هشاشة إلى مصدر قوة اقتصادية وتنموية.
السياق التاريخي والجغرافي
تتفاوت آثار اضطراب المضيق بين دول المنطقة:
لا تتوزع الخسائر بالتساوي. فالدول التي تعتمد على الموانئ أو رسوم العبور أو الواردات الأساسية تتحمل أثراً أكبر من الاقتصادات القادرة على تغيير مصادرها ومساراتها بسرعة. كما تكون الشركات الصغيرة أكثر تعرضاً من الشركات الكبرى؛ لأنها تملك مخزوناً أقل وقدرة أضعف على التفاوض مع الناقلين وشركات التأمين.
.

